أحمد الشرباصي
251
موسوعة اخلاق القرآن
« وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » فاللّه جل جلاله يأمر عبده المستجيب بأن يسلك طريق من رجع إلى اللّه بالتوحيد والاخلاص في الطاعة ، ومن سلك طريق المنيب فقد صار مثله منيبا ، فكأنه قال له اسلك طريق الإنابة وكن منيبا . ومن سمو فضيلة الإنابة جعلها اللّه عزّ شأنه صفة لأنبيائه ورسله ، فقال عن خليل الرحمن إبراهيم في سورة هود : « إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ » . والحليم هو غير العجول على الانتقام من المسئ ، والأواه هو كثير التأوه من الذنوب ، والتأسف على الناس ، والتضرع إلى اللّه ، وكان إبراهيم عليه السّلام منيبا ، أي كثير الرجوع إلى اللّه ، يرجع إليه في كل أمر . وكذلك قال اللّه تعالى عن نبيه شعيب عليه السّلام في سورة هود : « قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ، وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ » اي أقبل عليه بكل حسي ونفسي ، واليه وحده أرجع في كل ما نابني من الأمور في الدنيا ، ومنه وحده اطلب ثوابي على اعمالي ، فأنا لا أرجو منكم اجرا ، ولا أخاف منكم ضرّا وعلى ربي أقبل بطاعتي ، كما أرجع اليه بتوبتي . ويقول القرآن الكريم عن سليمان في سورة ص : « وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ » . ويأمر اللّه تعالى نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلّغ عباده قوله في سورة الشورى : « وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ » . أي عليه توكلت واعتمدت في مجامع الأمور ، وإليه أرجع في كل الشؤون . وقد جعل القرآن الكريم فضيلة الإنابة علامة الاهتداء وعنوان الاستقامة على الطريق وشارة الذين يتفكرون ويتدبرون فيعرفون ، فيستجيبون لنداء الحق ودعوة الصدق ، فيقول في سورة الرعد : « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ، الَّذِينَ آمَنُوا